عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
98
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
تنبيه اعلم أن الحقيقة المحمّدية ظهورا في كل عالم يليق بحال ذلك العالم ، فليس ظهوره صلى اللّه عليه وسلم في عالم الأجسام كظهوره في عالم الأرواح ؛ لأن عالم الأجسام ضيق لا يسع ما يسعه عالم الأرواح ، وليس ظهوره في عالم الأرواح كظهوره في عالم المعنى ، فإن عالم المعنى ألطف من عالم الروح وأوسع ثم ليس ظهوره في الأرض كظهوره في السماء وليس ظهوره في السماوات كظهوره عن يمين العرش ، وليس ظهوره عن يمين العرش كظهوره عند اللّه سبحانه وتعالى فوق العرش ؛ حيث لا أين ولا كيف ؟ فكل مقام أعلى يكون ظهوره فيه أكمل وأتم من المقام الأنزال ، ولكل ظهور جلال وهيبة بقدر المحل حتى يتناهى إلى محل لا يستطيع أن يرى فيه أحدا من الأنبياء والأولياء . وذلك معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لي وقت مع اللّه لا يسعني فيه غير ربي » . وفي رواية : « لي وقت مع اللّه لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبي مرسل » « 1 » « 2 »
--> ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 6 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 / 226 ) . ( 2 ) قال سيدي عبد الكريم الجيلي : فالأنبياء والأولياء والملائكة وسائر المقربين من سائر الموجودات ليس عندهم من المعرفة الذاتية ومحمّد صلى اللّه عليه وسلم الذي هو قلب الوجود هو الذي عنده الوسع الذاتي للمعرفة الذاتية ، وإلى ذلك أشار صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « لي وقت مع ربّي لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » اه . وذكر الشيخ في هذا المؤلف العظيم اتصاف سيدنا صلى اللّه عليه وسلم بجميع الأسماء الحسنى ، وجعل يذكر الأدلة على ذلك الكمالات ( ص 115 ، 116 ) ، وانظر : محاسن الأخبار في فضل الصلاة على النبي المختار للأبشيهي ( ص 365 ) بتحقيقنا . وقال الشيخ محمد بن عمر القادري : هو هنا عبارة عن الحال الذي يقتضيه الاستعداد الغير المجعول ، ويطلق في اصطلاح الصوفية أيضا على ما يردّ على العبد ، ويتصرّف فيه ، ويمضيه بحكمة من خوف أو حزن ، ولذلك قيل : الوقت سيف ؛ لأنه يقطع الأمر بحكمة ، ويقال : فلان يحكم الوقت . وقد يراد بالوقت : ما حصل من الزمان المسمّى بالحال ، يقال : فلان مشتغل بوظيفة الوقت : أي يعمل في كل حال ما لا يسوغ فيه إلا ذاك ، وفيه قيل من أهل وظيفة الوقت ، فوقته مقت . ( مع اللّه ) معيّة خاصة ليست في الاستعداد غيري . -